أحمد بن محمد مسكويه الرازي
218
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
على الآخر بزيادة يسير قوة لأحال الزائد الناقص وقوي عليه فبطل العالم ، فسبحان القائم بالقسط لا إله إلا هو . الف ) مجاذبة الشهوات واكرامات النفس ولما كانت الشريعة تأمر بالعدالة الكاملة لم تأمر بالتفضل الكلي ، بل ندبت اليه ندبا يستعمل في الجزئيات التي لا يمكن ان تعين عليها لأنها بلا نهاية ، وجزمت القول في العدالة الكلية لأنها محصورة يمكن أن تعين عليها . وقد تبين أيضا مما قدمنا ان التفضل انما يكون في العدالة التي تخص الانسان في نفسه ، اعني تسوية المعاملة أولا في ما بينه وبين غيره ثم الاستظهار فيه والاحتياط عليه بما يكون تفضلا . ولو كان حاكما بين قوم ولا نصيب له في تلك الحكومة لم يجز له التفضل ، ولم يسعه الا العدل المحض والتسوية الصحيحة بلا زيادة ولا نقصان . وتبين أيضا ان الهيئة التي تصدر عنها الافعال العادلة متى نسبت إلى صاحبها سمّيت فضيلة ، وإذا نسبت إلى من يعامله بها سمّيت عدالة ، وإذا اعتبرت بذاتها سميت ملكة نفسانية ، فاستعمال المرء العاقل العدل على نفسه أول ما يلزمه ويجب عليه ، « 1 » وقد ذكرنا في ما تقدم كيف يعمل ذلك ، وبيّنا كيف يعدل قواه الكثيرة إذا هاج به بعضها ، وأشرنا إلى أجناس هذه القوى الكثيرة ، وان بعضها يكون بالشهوات المختلفة وبعضها بطلب الكرامات الكثيرة ، وانها إذا تغالبت وتهايجت حدث في الانسان باضطرابها أنواع الشر ، وجذبته كل واحدة منها إلى ما يوافقها ، وهكذا سبيل كل مركب من كثرة إذا لم يكن لها رئيس
--> ( 1 ) . قال اللّه سبحانه وتعالى : بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ القيامة / 14 - 15 .